أبو البركات بن الأنباري
146
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
يعمل عمله ، ويكون له مرفوع ومنصوب كالفعل ، تقول : زيد ضارب أبوه عمرا ، كما تقول : يضرب أبوه عمرا . والذي يدل على فساد ما ادعيتموه من ضعف عملها أنها تعمل في الاسم إذا فصلت بينها وبينه بظرف أو حرف جر ، نحو قوله تعالى : إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا [ المزمل : 12 ] و إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً [ البقرة : 248 ] وما أشبه ذلك ، على أنا قد عملنا بمقتضى كونها فرعا ، فإنا ألزمناها طريقة واحدة ، وأوجبنا فيها تقديم المنصوب على المرفوع ، ولم نجوّز فيها الوجهين كما جوزنا مع الفعل ؛ لئلا يجري مجرى الفعل فيسوّى بين الأصل والفرع ، وكان تقديم المنصوب أولى ليفرق بينها وبين الفعل ؛ لأن الأصل أن يذكر الفاعل عقيب الفعل قبل ذكر المفعول ، فلما قدّم هاهنا المنصوب وأخر المرفوع حصلت مخالفة هذه الأحرف للفعل وانحطاطها عن رتبته . وقولهم « إن الخبر يكون باقيا على رفعه قبل دخولها » فاسد ، وذلك لأن الخبر على قولهم مرفوع بالمبتدأ ، كما أن المبتدأ مرفوع به ؛ فهما يترافعان ، ولا خلاف أن الترافع قد زال بدخول هذه الأحرف على المبتدأ ونصبها إياه ؛ فلو قلنا « إنه مرفوع بما كان يرتفع به قبل دخولها مع زواله » لكان ذلك يؤدي إلى أن يرتفع الخبر بغير عامل ، وذلك محال . وأما قولهم « الدليل على ضعف عملها أنه يدخل على الخبر ما يدخل على الفعل لو ابتدىء به كقول الشاعر : * إنّي إذن أهلك أو أطيرا * » [ 105 ] قلنا : الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أن هذا شاذ ؛ فلا يكون فيه حجة ، والثاني : أن الخبر هاهنا محذوف ، كأنه قال : لا تتركني فيهم غريبا بعيدا ، إني أذلّ ، إذن أهلك أو أطيرا ، وحذف الفعل الذي هو الخبر ؛ لأن في الثاني دلالة على الأول المحذوف ، فإذن ما دخلت على الخبر ، والثالث : أن يكون جعل [ 84 ] « إذن أهلك أو أطيرا » في موضع الخبر ، كقولك « إنّي لن أذهب » فشبّه إذن بلن ، وإن كانت لن لا يلغى في حال بخلاف إذن . وأما قولهم « إن بك يكفل زيد ، وإن بك زيد مأخوذ » فالتقدير فيه : إنه بك يكفل زيد ، وإنه بك زيد مأخوذ ، كما قال الراعي : [ 106 ] فلو أنّ حقّ اليوم منكم إقامة * وإن كان سرح قد مضى فتسرّعا